تخيل مدينة صناعية عملاقة، بشوارعها المزدحمة، ومصانعها التي لا تهدأ، وأنظمة اتصالاتها المعقدة التي تدار بدقة متناهية، ثم يخبرك أحدهم أن هذه المدينة لم يبنها مهندس ولم يخطط لها عقل، بل وُجدت هكذا صدفة لأن بعض الصخور والرياح اصطدمت ببعضها عبر ملايين السنين. قد تبتسم ظنًا منك أنها دعابة ثقيلة، لكن المثير هنا أن هذا هو بالضبط التفسير الذي يُقدّم اليوم لجمهور غفير حول أصل الحياة. نحن نتحدث عن الخلية الأولى، ذلك الكيان الذي يفوق في تعقيده أي مدينة صنعها البشر، ومع ذلك يُطلب منك أن تؤمن—باسم العلم—بأنها "تجمعت" ذاتياً من مواد ميتة في بركة مياه راكدة.

والعجيب في هذا الطرح ليس في غرابة الفكرة فحسب، بل في تلك النبرة الاستعلائية التي تغلفها؛ فإذا ما وجدتَ في نفسك غصة من قبول هذا "السيناريو" السينمائي، أو شعرتَ أن عقلك يأبى تصديق أن العشوائية يمكن أن تنتج نظاماً يفوق الخيال، فأنت في نظر هؤلاء "جاهل ومتخلف". وهنا تكمن المفارقة؛ كيف صار التمسك بالمنطق العقلي الذي يربط بين الأثر والمؤثر تخلفاً، بينما أصبح الإيمان بأن "العدم" أو "المصادفة" يمكن أن تبدع شفرات الوراثة (DNA) قمة التنوير؟ إنهم يقايضون اليقين الفطري بوهمٍ لا يملك صاحبه عليه دليلاً واحداً سوى طول الأمد، وكأن ملايين السنين تملك عصاً سحرية تحوّل المستحيل المنطقي إلى واقع ملموس.

لو تأملنا هذا المشهد بعين الباحث المتجرد، سنجد أننا أمام محاولة يائسة لملء فراغ لا يملؤه إلا الإيمان. والقرآن الكريم يضع يده على أصل العلة حين يقول سبحانه: ﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. فهؤلاء الذين يتحدثون بثقة مطلقة عن "بركة المياه الأولى" لم يكونوا هناك، ولم يشهدوا تلك اللحظة الفارقة، بل هم ينسجون من خيالاتهم قصصاً يحاولون بها الالتفاف على الحقيقة الكبرى. والمؤسف حقاً هو اتخاذ هؤلاء "المضلين" مراجع فكرية، يوجّهون عقول الشباب نحو التيه، بينما الحقيقة تتطلب تواضعاً أمام عظمة الإبداع الإلهي الذي لا يمكن أن تُفسره صدفة عمياء.

والأمر لا يقف عند حدود التفسير المادي، بل يتجاوزه إلى تزييف الوعي. فالمؤمن لا يرفض العلم، بل يرفض "الخرافة" التي تتخفى في ثياب العلم. والمنطق العقلي الذي وضعه الخالق في نفوسنا يطرح سؤالاً فطرياً لا يمكن الهروب منه، وقد صاغه الوحي في كلمات تهز أركان الغرور البشري: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾. هي معادلة ثلاثية لا رابع لها: إما أنهم وُجدوا من عدم محض بلا موجد (وهذا جنون عقلي)، أو أنهم خلقوا أنفسهم (وهذا مستحيل منطقي)، أو أن هناك خالقاً عليماً قديراً. وبما أن الخيارين الأولين يسقطان ببديهة العقل، يبقى اليقين بالخالق هو المرفأ الوحيد للباحث عن الحقيقة.

ويبدو لي أن الهروب نحو نظرية "الصدفة" ليس هروباً من الجهل، بل هو هروب من "الاستحقاق"؛ لأن الاعتراف بالخالق يتبعه خضوع لمنهجه، بينما الإيمان بالصدفة يعطي الإنسان وهماً بالتحرر من أي قيد أخلاقي أو إلهي. ولكن، هل يستوي من يرى في نفسه نفخة من روح الله، ومن يرى نفسه مجرد "تجمع كيميائي" عشوائي في بركة مياه؟ إن الفرق بينهما هو الفرق بين العزة والذلة، وبين المعنى والعدم. وفي نهاية المطاف، سيظل هذا الخلق البديع، بتفاصيله التي تدهش العلماء يوماً بعد يوم، شاهداً على أن وراء كل خلية حية حكمة بالغة، لا تزيدها "ملايين السنين" إلا ظهوراً وجلاءً لمن ألقى السمع وهو شهيد.