يبدو أن العقل الذي يخطط للإساءة إلى مقام النبي ﷺ يعاني من انفصال حاد عن الواقع، أو ربما هو الجهل المطبق بطبيعة هذا الدين الذي يظن واهمًا أنه قادر على النيل منه. ما نراه اليوم من هبّة عفوية يشارك فيها شباب مصر والعالم الإسلامي قاطبة، هي حالة تثلج الصدر وتعيد تذكيرنا بأن هذا المقام العظيم محميّ بقلوب لا تعرف المهادنة في ثوابتها. إنها دفاع عفوي، نقي، وصادق، يخرج من أعماق النفوس التي قد تقصر في كثير من الطاعات، لكنها عند "رسول الله ﷺ" تتحول إلى سد منيع وقوة لا يستهان بها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يدور حقًا في رأس ذلك "المأفون" الذي يتجرأ على مقام النبوة؟ هل يتخيل فعلاً أن قبح قوله سيجعل المسلم يراجع إيمانه أو يقول في لحظة ضعف: "حسناً، سأترك ديني"؟ الحقيقة أن هذا التفكير يكشف عن سذاجة منقطعة النظير وفشل في فهم كينونة المؤمن. فالمسلم حين يشعر أنه مستهدف في أقدس مقدساته، لا ينكفئ على نفسه، بل يزداد تمسكاً ويقيناً، وتخرج منه طاقة ومواقف غير متوقعة أبداً؛ فالضغط هنا لا يولد الانفجار فحسب، بل يولد انبعاثاً جديداً للهوية والولاء.
إن هذه الحركات الصبيانية في جوهرها لا تضر المسلمين في شيء، بل هي طعنة يوجهها الجاني لنفسه أولاً وأخيراً. ولو امتلك هؤلاء الحد الأدنى من الوعي التاريخي، لأدركوا أنهم يحرثون في البحر. فليخبرنا أحد، عبر قرون مديدة، عن واقعة واحدة لمسلم ارتد عن دينه لمجرد أن أحداً "سبّ" أو "أساء" لرسوله! بل العكس هو الثابت تاريخياً ويقينياً؛ فكل حملات الإساءة كانت دوماً هي الوقود الذي يشعل التمسك بالدين ويساهم في نشره في بقاع لم يكن ليصلها لولا تلك الجلبة. إنها القاعدة الإلهية التي تجعل الخزي والذل والهلاك يرتد دائماً على صاحب الإساءة، بينما يبقى المَقام المحمدي سامقاً لا تطاله الألسنة ولا الرسوم.
وإذا كنت لا تملك رفاهية الغوص في كتب التاريخ، فما عليك إلا أن تنظر حولك، فالأمس القريب يفيض بالعبر والدروس الواضحة لكل ذي بصيرة. تأمل معي مصير من تطاولوا؛ كم من رسام أو شاتم وجد نفسه اليوم حبيس سجن اختياري بناه لنفسه من قضبان الخوف، يرتعد من ظله، ويعيش منبوذاً مطروداً من رحمة الخلق، حتى ينتهي به المطاف وحيداً ويموت ميتة ذليلة لا تليق إلا بمن حارب ربه. وهناك من انتقم الله منه بأساليب لا تخطر على بال، وعلى يد عبادٍ قيّضهم الله ليذيقوه وبال أمره في الدنيا قبل الآخرة.
وهنا تكمن المفارقة العجيبة؛ فالإساءة التي أرادوا بها إطفاء النور، تصبح هي الكاشف الذي يضيء للمترددين طريقهم، وهي الصيحة التي توقظ الغافلين. لذا، نصيحة من القلب لكل من تسول له نفسه الانخراط في هذا المستنقع: لا تفرط في الفرح بضجيجك الآن، ولا تغترّ بجمعك الذي يصفق لك، فالعاقبة دائماً كانت تخبئ لمن سبقوك ما لم تكن تطيقه نفوسهم. فقط انتظر، فالأيام دول، وسنة الله في خلقه ثابتة لا تتبدل، ونحن معك من المنتظرين لنرى كيف يقتصّ الله لنبيه ﷺ ويجعل كيد المعتدين في تضليل.